ابن بسام
221
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
إحداث بستان في خرائب أخربت مالي ، وشغلتني عن كثير من أشغالي ، وصرت منفقا ما جمعت في الغربة والوطن ، وكسبت في الإقامة والظعن ، بين جدار فيها أهدمه ، وغار أردمه ، وأرض أرفع مرّة وهادها ، وأخفض تارة نجادها ، حتى استوت ساحاتها [ ] وتوطّت ، وغابت مغاراتها وتغطّت ، وانكشطت أسنمتها وانحطّت ، وفي بناء حائط أحدق بأقطاره ، وآمن به على ثماره ، وفي حفر بئر ينقع ماؤها صداه ، ويبلّ إذا حمي الهجير / ثراه ، ما لو أقررت به بين يدي القاضي أو شهد به عليّ لتوجّه عليه فيما يلزمه من الفرض ، ويحقّ عليه في الإبرام والنقض ، أن يثبتني على رأي الفقهاء ، في ديوان السفهاء ، إذ لا يقدر على سقي دوحاته ، ولا يتوصّل إلى إحياء مواته ، إلّا بدولاب وجابية ، يأخذان الماء أخذة رابية ، وعند الوصول إلى هذه الفصول ، والانتهاء إلى هذا المحصول ، قرعت سنّ النادم ، وانتبهت انتباه الحالم ، وكنت كتاجر البلّور ، في ابتياع السنّور ، ومسرّح الدجاج ، في مخزن الزجاج : أحدث هذا في ماله من البوار ، ما لا يحدثه عابث الفار ، وجلب ذلك إلى بضاعته من الفساد ، ما لا يحدثه وافد الكساد . وفي فصل منها : ولا بدّ لغريق البحر أن يدرج فيخرج [ 1 ] ، وللتائه في القفر أن يضلّ فيهلك ، أو يدلّ فيسلك ، وقد علم قلّة حاجات وليّه إليه ، وإيثاره التخفيف عليه ؛ ومتى أعلم الأمير أنّ هذه الخرائب التي عانى وليّه غراسها ، لا يرتجى لها عمارة تعود بفائد ، ولا ينتفع الديوان منها بدرهم واحد ، وساكنوها منذ أعوام ما أدّى واحد منهم خراجا ، ولا صنع لبيته بابا ولا رتاجا ، فهم بين قوم يأكلون الشجر قبل الثمر ، ويرعون الأبّ قبل الحبّ ، وما آمن مع ما أحدقت به من الأسوار ، وخرجت في [ النفقة ] عن المقدار ، أن يوجفوا إليه بالجوالق ، وينقضّوا فيها كالشوانق ، كما يفعلون في بستان فلان ، الذي أنفق فيه عمره وماله ، وصرف إليه همّه واهتباله ، فهو في الشتاء من علوج الزّبر والحفر ، وأصحاب الغرس والبذر ، فإذا بلغت ثمرته ، ووجبت غلّته ، حام / عليه بنو حام ، ولم يمتنع منهم بحارس ولا حام ، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ( الكهف : 42 ) . وناهيك [ بدرّة ] ظفرت يدي بأختها ، ومخشلبة غنيت عن ثقبها ونحتها ، ومتى لم يلحظني مولاي بعين رعايته ، ويمدّ إليّ [ يد ] عنايته ، في ما رغبت وسألت ، انقلبت بأمل عاطل ، وعمل باطل .
--> [ 1 ] لعله : فيغرق أو يخرج .